حسناء ديالمة

56

الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق

وكان من بين الذين كانوا يعملون لمصلحة العلويين أحد القادة أبو سلمة الخلال « 1 » ، ولما أحسّ أبو سلمة بنوايا العباسيين وعزمهم على الاستئثار بالسلطة كتب إلى ثلاثة من العلويين هم الإمام الصادق وعبد اللّه المحض « 2 » وعمر الأشرف « 3 » ، وأرسل الكتب مع بعض أنصارهم وقال للرسول : إقصد أوّلا جعفر بن محمد الصادق ، فإن أجابك فلا تراجع غيره ، ومزق الكتابين ، وإن لم تجد منه جوابا ، فاذهب إلى عبد اللّه المحض ، وسلّمه الكتاب ، فإذا أجابك ، فلا تراجع غيره ، وإلا فاذهب إلى عمر الأشرف . فذهب الرسول إلى الإمام جعفر بن محمد ، ودفع إليه كتاب أبي سلمة ، فقال الإمام : ما لي ولأبي سلمة وهو شيعة لغيري ؟ ثم قال لخادمه : أدن مني السراج . فأدناه منه ، فوضع الكتاب على النار ، حتى احترق بكامله والرسول ينظر إليه ، فقال له الإمام هذا جواب كتابه . فمضى الرسول إلى عبد اللّه المحض ، فدفع إليه الكتاب ، فقبّله وقرأه وركب من ساعته إلى الإمام الصادق وقال له : هذا كتاب أبي سلمة يدعوني فيه إلى الخلافة ، وقد وصلني مع بعض شيعتنا من أهل خراسان . فقال له الصادق : « ومتى صار أهل خراسان شيعة لك ؟ أأنت وجهت إليها أبا مسلم ؟ وهل تعرف أحدا من أهلها باسمه ، فكيف يكونون شيعتك وأنت لا تعرفهم ولا يعرفونك ؟ فرد عليه عبد اللّه بقوله : هذا الكلام منك لشيء . فقال الصادق : لقد علم اللّه أني أوجب النصح على نفسي لكل مسلم فكيف أدخره عنك ، فلا تمنّي نفسك بالخلافة ، فإن هذه الدولة ستتم لهؤلاء - أي لبني العباس - وقد جاءني مثل هذا الكتاب الذي جاءك » « 4 » .

--> ( 1 ) حفص بن سليمان بن همداني الخلال أبو سلمة ( م 132 ه ) أول من لقب بالوزارة في الإسلام ، كانت إقامته قبل ذلك في الكوفة وأنفق أموالا كثيرة في سبيل دعوة العباسية ولما استقام الأمر للسفاح استوزره فكان أول وزير لأول خليفة عباسي لما كان عليه من علم بالسياسة والتدبير ، واستمر أربعة أشهر واغتاله أشخاص كمنوا له ليلا ووثبوا عليه فقطعوه بأسيافهم ، ويعرف بالخلال لسكناه بدرب الخلالين بالكوفة ( الزركلي ، الأعلام ، 2 / 263 ) . ( 2 ) عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي القرشي ، أبو محمد ( 70 - 145 ه ) المعروف بالمحض تابعي ، من أهل المدينة ، كان ذا وجاهة وهيبة ولسان ولما ظهر العباسيون قدم مع جماعة من الطالبيين على السفاح وهو بالأنبار فأعطاه ألف ألف درهم ، وعاد إلى المدينة ثم حبسه المنصور عدة سنوات من أجل ابنيه محمد وإبراهيم ونقله إلى الكوفة فمات سجينا فيها كما حققه الخطيب البغدادي . ( المصدر نفسه 4 / 87 ) . ( 3 ) عمر بن علي بن الحسين ، أبو علي وقيل أبو حفص عمر الأشرف هو أخو زيد بن علي بن الحسين الشهيد وأسن منه فلقبه الأشرف فإنه كان فخم السيادة جليل القدر والمنزلة في الدولتين الأموية والعباسية وكان ذا علم وقد روي عنه الحديث ( محسن الأمين ، أعيان الشيعة 8 / 380 ) . ( 4 ) أسد حيدر ، الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ، دار التعارف للمطبوعات ، بيروت ، 2001 ج 1 ، ص 375 .